دراسة نقدية تحليلية لقصّة ترتيلة الرحيل / بقلم: د. سعاد جبر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دراسة نقدية تحليلية لقصّة ترتيلة الرحيل / بقلم: د. سعاد جبر

مُساهمة من طرف صبري يوسف في الجمعة نوفمبر 09, 2007 2:27 pm

مقالات نقديّة في القصّة السُّورية


بقلم: د. سعاد جبر *


رصد اهتزازات الشُّعور وانثلامات الوجدان في الإبداعيّة الأدبية


دراسة تطبيقيّة في نصّ: "ترتيلة الرحيل" للكاتب صبري يوسف



تعدُّ الأعمال الأدبية نتاجا حيّاً للفكر والإحساس ونتاجاً لما يحسُّ به الأديب من صدام بينه وبين الواقع ، ومن هنا ينبغي أن نميِّز بين الواقع كما هو قائم في العالم الموضوعي ، وبين الواقع كما يرتأيه الأديب ، لأنه واقع يسمو على الواقع الراهن ، انّه واقع لا يخضع للزمان ، فقد يكون الواقع الذي يحياه الأديب واقعاً حدث في الماضي ، ولكنه ينبض بالحياة كأقوى ما يكون النبض في عقل ووجدان الأديب، ولاشكّ أنَّ الأديب ليس مجرد آلة تصوير أو شرّيط تسجيل لالتقاط الواقع ثمَّ سرده كما هو، بل يعدُّ الأساس في تلقّي الواقع، ولديه هو ما يمكن أن نعبِّر عنه بهزّة الشُّعور أو انثلام الوجدان ونزف جراحها على السطور، وحتى بالنسبة لحالة الفرح التي تهزُّ مشاعر الفنّان أو الأديب فإنها تكون في الواقع ردّ فعل لحزن سابق أو لانثلام وجداني قديم، ومعنى هذا أن ما يختزنه الأديب أو الفنّان من أحزان ومن انثلام للمشاعر يشكِّل الركيزة التي ينبني عليها ما قد يحسُّ به من هزّة فرح ونشوة سرور في المواقف التي يستشعر فيها الفرح أو السُّرور، فالأصل في الإبداع الأدبي هو الحزن وليس الفرح. وهذا ما يفسر شيوع الحزن عند الأدباء لأنه مصدر الطاقة الإبداعية في لغة التسامي والرفض والاستلهامات، و لذلك فإنّ النّجاح الذي قد يهزُّ مشاعر الأديب / الفنان إنما يكون قوياً ومؤثراً في حالات تصاعد تقدير ابداعيته من قبل الآخرين بعد مرارات المرّات التي لاقى فيها الهوان واللامبالاة.
وهناك شواهد على ارتباط الإبداعية بمؤثرات لغة الحزن ومعطياته إذ يقول أحمد رامي: ـ يسرُّني جداً أن أقرأ شعري فيبكي من يسمعني، إن ألذّ شئ عندي أن أبكي، أحبُّ البكاء دائماً، ومساحات الحياة تمتلئ بشواهد سيكولوجية تؤكّد اختلاط لغة الفرح مع تداعيات لغة الحزن في مشاعر متماهية واحدة، واختلاط الحزن في لغة هستريا الفرح وتواليك، ولكن كلا المشهدين يؤكّدان أنّ الفرح يرتمي في نهاية الأمر في أحضان الحزن ولغته التعبيرية والاسقاطية، فالبكاء والضُّحك وجهان لعملة واحدة فهما صنوان لايفترقان، فهناك ثمة تداخلاً بين البكاء والضحك، وفي نهاية المطاف يسكن الحزن في لغة الإسقاطات في كليهما على قمة استلهامات الاشراقات من خلال نوافذه السابرة في أعماق الحياة؛ حيث تنسكب من ماهيّته النازفة المقهورة سيمفونيات روائع المبدعين .

ونصّ ترتيلة الرحيل إبداعيّة أدبية تختلط فيها مشاعر الفرح ـ المتراقصة مع هالات الفراشات الماسيّة في النصّ المنبعثة من مشاعر الطفولة وانطلاقاتها الضاحكة وتساؤلاتها العميقة في الوجدان ـ مع مرارات الغربة واحتراق الروح على أزقّتها المظلمة في عزف ألحان الاشتياق للأم في الأنا والوطن، ويشكِّل ذلك المقطع الرومانسي في تركيبة النصّ ـ في بُعد الفكرة ـ الخيط المغناطيسي الذي يجذب كافة مقاطع النصّ تجاهها، بحيث تشكِّل تماوجات الفراشات في الطَّبيعة وتراقصاتها مركزية النصّ التي تنبعث منها اهتزاز المشاعر وانثلام الوجدان في الألم والاحتراقات بشكل دائري يدور حول مركز النصّ في انبعاثات اشراقاته الإبداعية، في ماهية حزينة فيها من التلوع وحرقة الاشتياق نحو الأمومة الحانية التي تشكل نقطة مركز الحياة واستشعار معاني الفرح والجمال والطبيعة في عين حقيقتها من البهاء والنضرة.

ويبلغ النص في تدفُّقات الأنا اللاشعورية واسقاطاتها ومسارات فراشات الطبيعة ومشاعر الأمومة ونبضاتها في الحياة، كلّ ذلك يبلغ حد الاشتعال نحو الفناء المطلق ورحلة السَّفر البعيد حيث تغيب ماهيات الذوات وتبقى حرقة وحنان التذكار. ويعبِّر عنها النصّ في استفهامات حائرة :

" أتساءل: هل نحنُ الّذين عبرنا البحار وعبرنا الجسور وعبرنا بوّابات الشِّعر والنصِّ والقصِّ والسَّردِ والعشقِ، عرفنا لماذا تحومُ الفراشات حول الضَّوءِ إلى حدّ الاشتعال؟" !

وتنساب في النصّ احساسات مرهفة نحو الأم ـ في الأنا والوطن ـ المختلطة بعذابات الغربة، مما يزيد حرقة الألم ومساحات استشعار المرارة في الأعماق والوجود، وتصل في أعلى تصاعداتها عند لحظة فتح السماوات أبوابها لروح الأمومة المعطاءة وفي أعماقها كل الحنان للابن الذي غاب عن الأسرة في رحابِ الغربة ولم يعد حتى عند لحظة اقتراب رحلة الفناء الأخير، فتصعد إلى سمائها الخالدة وهي مترعة النبض بالشَّوق إليه والتلهُّف لرؤياه . وهذه مساحة تعبيرية مؤثرة للغاية، واتَّسمت بجماليات تراكيبها في التعبير وامتلاكها فنّيات بارعة في عكس تلك المؤثرات الحزينة في إضاءات خافته مؤلمة؛ تتجرع الألم والحسرة وتشتعل فيها نار الغربة وعذاباتها.

ويرتسم في النصّ هالات رقيقة للغة التصوير الفني للفراشات، التي تجتاح مساحات الطُّفولة في لغة الذكريات الجميلة، وتنساب منها نحو أحضان الأمومة التي تشكِّل ماهيّة الوجود وبهجة الحياة، وتتوالى اشراقاتها على لغة الصداقة وتماهيات الورود في تجاذبات الفراشات، وتتشكَّل منها المفارقات المرة بين جماليات الطبيعة الخالدة في لغة الأم في الجسد والوجود وتماهيات مرارة الغربة واحتراق الرُّوح في الاشتياق، وتتناثر اسقاطاتها في استفهامات ضبابية عاشقة للفرح في آتون أحزان مشتعلة :

" تعالي أيّتها الفراشة التائهة في عوالم الحلم، في عوالم البحث عن الفرح الآفلِ، لماذا لا تبقى أفراحنا ساطعةً فوق خيوطِ الشَّمس؟! "

وتتعالى إبداعية الأديب في متتاليات لغة مونولوج حارّة في النصّ ، تتماوج معها انكسارات مشاعر الاشتياق واحتراقات الرُّوح ، لتبلغ حالة الخلاص وماهية المنتج الابداعي الذي يعكس فيوضاته على الورق في رسالته الإبداعية حيث يقول:

" لا يستطيعُ أن ينتشلني من اِندِلاقِ هذه البراكين سوى قلمي؟ أهلاً بكَ يا قلمي، تعالَ كي أزرعَ رحيقكَ بين عشبةِ القلبِ وشهقةِ الرُّوحِ كي أرسمَ فوقَ بيادرِ غربتي ترتيلةً من لونِ المحبّة، من لونِ فراشةٍ موشومة فوق بسمةِ أمٍّ متعانقة مع هلالاتِ الرُّوحِ، مع صعودِ بخورِ القلمِ! "

وهنا تبرز حلّة هروب السَّارد نحو ميادين الفرح المنبعثة من أتون عذابات تعصف باللاشعور والجسد والوجود في عين السَّارد ، في لغة التذكار وهستريا فرح تعبر عن زخم معاناة يحترق في أعماقه الواعية واللاواعية ، تشفر في لغة الاغتراب، وهالات أحزان مستعرة ملتهبة في الأعماق مع أعراس الفراشات على السُّطور .

ولا يسعني في نهاية رحلة التجلّيات مع الحروف البهية إلا أن أزجي تحايا التقدير الزنبقية لمبدعنا الألق: صبري يوسف على ما أمتعنا به من حروف ربيعية مورقة ودام إبداعه فراشات أنيقة متفرِّدة في الحرف والرُّوح على أثير الحبر الخالد.


* د. سعاد جبر / الأردن

كاتبة وناقدة فلسطينة مقيمة في الأردن متخصصة في مجال سيكولوجيا الأدب
باحثة في مجال الدراسات التربوية والنقدية / اعلامية متخصصة في تحرير الندوات الثقافية
مستشارة تربوية في مجال هندسة الذات / عضوة في تجمع الكتاب والأدباء الفلسطينيين
حاصلة على شهادات تقديرية في مجال الإبداع والقصة كتابة ونقداً
------------------------------------------
أُضيفت هذه المساهمة بتاريخ 06/05/2005/ إلى موقع القصّة السورية
* خاص القصّة السُّورية / المصدر الكاتبة


http://www.syrianstory.com/s-youssefe.htm

http://www.syrianstory.com/comment10.htm

صبري يوسف

ذكر
عدد الرسائل : 56
تاريخ التسجيل : 31/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.sabriyousef.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دراسة نقدية تحليلية لقصّة ترتيلة الرحيل / بقلم: د. سعاد جبر

مُساهمة من طرف شكري عبد الأحد في السبت ديسمبر 22, 2007 1:16 am

مبدع أخ صبري شكرا ألك
avatar
شكري عبد الأحد

ذكر
عدد الرسائل : 222
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 29/09/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى