الذكرى الثلاثون لإقامة أوّل معرض للفنَّان حنا الحائك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الذكرى الثلاثون لإقامة أوّل معرض للفنَّان حنا الحائك

مُساهمة من طرف صبري يوسف في الأحد فبراير 17, 2008 2:18 pm

الذكرى الثلاثون لإقامة أوّل معرض للفنَّان التشكيلي حنا الحائك


افتتح الفنَّان التشكيلي حنَّا الحائك معرضه في سودرتالية، إحدى ضواحي ستوكهولم، بمناسبة الذِّكرى الثلاثين لإقامة أوَّل معرض له على أرض مملكة السويد، وسط جمهور غفير من الفنَّانين والفنَّانات والمهتمّين السويديين والمغتربين من بلدان الشرق الدافئ، ظهر يوم السبت: 9/2، ويستمر العرض حتى غاية 3/3/2008، مع غياب تام لفضائياتنا داخل مملكة السويد لتغطية هذا الافتتاح الباهر، إلا أن فضائية عشتار غطَّت هذه التظاهرة الفنّية في اليوم الثاني.

توافد الكثير من الفنانين والفنانات من أجزاء متفرقة من ستوكهولم لحضور هذا الاحتفال الفني التشكيلي البديع، حيث قدَّم الحائك الكثير من تجاربه التي أنجزها عبر أكثر من أربعة عقود من الزمان، واختار سِتَّاً وسبعين لوحة تشكيلية وعرضها في صالة فنّية، موزّعة على أربع صالات متعانقة مع بعضها بشكل بهيج، لوحات بقياسات متعدِّدة، متناغمة، ترقص شوقاً إلى حنين التراب، حيث بلاد آشور وسومر وبابل وأكّاد، تسقيها بكرمٍ باذخ مياه دجلة والفرات.

ألوان الفنان حنّا الحائك دافئة وانسيابية، غنيّة بمنعرجاتها وخطوطها وظلالها ومساحاتها المترامية مع روعة الانسجام، يرسم بالأكريل، فارشاً ألوانه كأجنحة فراشات على بياض اللَّوحة، يرسم لوحاته بعيداً عن ضجيج هذا العالم، كناسكٍ معتكف في مرسمه المسترخي وسط غابة مكتنزة بالهدوء والاشجار والزهور البرية، يناغي ألوانه ساعات طوال وهو يفرشها على بياض اللَّوحة، كأنه يسقي سنابل الجزيرة الخضراء، بهفهفات فرشاته وهو في أوج تجلِّياته وشوقه إلى ربوع اللَّون المتناثر من توهُّجات الذَّاكرة المتعانقة مع ربوع الحسكة والقامشلي، وبراري الجزيرة العليا.

تحمل لوحاته في ثناياها نكهة الشرق ونكهة الحضارات الموغلة في تواشيح الحدائق المعلَّقة في ذاكرة توّاقة إلى نقوش المعابد القديمة، حيث مسلّة حمورابي بتشريعاته المنقوشة على خارطة متماهية مع البكاء، لوحات منبعثة من تجلِّيات فنان منبعث من رحم أقدم حضارة على وجه الدُّنيا!

الفنَّان حنَّا الحائك، رأى النّور في مدينة الحسكة، وترعرع في مدينة القامشلي الغنيّة بالعطاء واخضرار السَّنابل، تخرّجَ من جامعة دمشق، قسم الدِّراسات الفلسفيّة، اشتغل مدرِّساً لمادة التربية الفنّية لطغيان شغفه الفنّي الباهر على تخصُّصه الفلسفي، ثمّ عُيّنَ مديراً في إعداديات وثانويات محافظة الحسكة وانتقل إلى دمشق ثم عَبَرَ المسافات قاصداً ثلوج مملكة السويد ليعمل مدرِّساً للتدفُّقات اللَّونية قرابة أربعةِ عقود من الزَّمن ثمَّ تفرّغ بعدها كليّاً لتشكيلات وفضاءات خميلة اللَّون!

أقام العديد من المعارض الفردية والجماعيّة في سوريّة، وهو عضو إتّحاد الفنّانين في السويد والدول الاسكندنافيّة، وعضو الاتّحاد العالمي للفنّانين.
أقام أكثر من أربعين معرضاً في الصالات والمتاحف السويديّة وفي العديد من الدول الأوربية منها بولونيا، الدانمرك، بلجيكا وألمانيا وغيرها ...
يعدُّ الفنّان حنّا الحائك من الشَّخصيات النَّشيطة فنّياً وثقافياً في المهجر، وقد نال شهادات تقديريّة عن المهرجانات الفنّية التي اشتركَ فيها وحصل على ميداليّة الفنّان العام لعام 1983، كما نال جائزة إيكولوف الثقافيّة عام 2000 وجائزة نعّوم فائق الثقافيّة، يقيم في السَّويد منذ عام 1977.

استقبلتني لوحاته حالما عبرتُ مدخل صالة كريتسن الفنّية، تمايلت بتلات الزُّهور والورود التي قدَّمها الزُّوار مع ألوان اللَّوحات التي كانت تناجي الزوَّار، كأنَّها تحتفي مع زوَّارها وهي في أعلى تماهياتها مع هذا الكرنفال الفنّي الذي ملأ صالات العرض كلها حبوراً وحضوراً طيباً يبهج القلوب، تقدمتُ نحو الحائك وهو يتجاذب أطرافَ الحديث مع فنَّان تشكيلي سويدي من الجيلِ العتيق، عناق دافئ غمرني وهو يرتمي بين أحضاني بضفيرتيه المكتسيتين ببياض الفرح الآتي، لم تبخل اللَّوحات في فتح صدورها الهائجة بألوان شهوة الشَّمس وهي في أوج حنينها إلى سماء الشَّرق، و كأنَّها في حالات تأمل، تدعو السَّماء أن تهطل مطراً فوق براري الشِّمال المتاخمة للأراضي التي قطعها كلكامش بحثاً عن نبتةِ الخلاص!

شفافية مفرحة تسطع من اللَّوحات، تتعانق الألوان مشكلة نهراً عذباً، تطيرُ فوقه حمائم السَّلام، وطفولة مخضَّبة بمروج الأوَّل من نيسان، حيث بهجة الرَّبيع والأعياد تغمر معابر اللَّوحات وهي ترقص رقصة الرَّحيل على إيقاع أحلام متشظِّية من ظلال القلب، بحثاً عن غابة فسيحة، مسكونة بألوان لم تُرَ من قبل!

هل رسم الفنان حنا الحائك لوحاته في اللَّيالي القمراء وهو يرنو إلى تلألؤات النُّجوم حيث نجمة الصَّباح تبوح بسرِّها إلى ظلال القمر من خلال تشكيلات أوجاع الرُّوح المتغلغلة في أعماق غربة الفنّان، وهو يرسم أبراج بابل تتهاوى فوق طغاة هذا الزَّمان وفوق انكسارات أرواح أجيال عديدة، طحنتها حروب مجنونة، شنّها مهابيل من هواة النَّار، فلم يجد أجدى من رشْرَشْةِ ألوانه الهائجة فوق قباحات جنون الصَّولجان؟!

عندما تتأمَّل لوحات الحائك، تشعر وكأنَّ دموعه امتزجت مع الألوان وتناثرت فوق خدود الصَّباح، مشكلةً خيوطاً من الغمام، موشِّحاً التِّلال البعيدة بأحلام غيمة ماطرة تتهاطل فوق عاشقين وهما في طريقهما إلى الارتماء فوق أزاهير براري الشِّمال، التي خبَّأها بين أجنحته قبل أن يعبرَ البحار، وكأنّه رسمها وهو في حلم مفتوح نحو بيادر الطفولة.

سألت طفلة وهي تنظر إلى لوحة تبتسم ألوانها المفرحة، رغم تفاقمِ سماكات الدم على ضفاف النهرين، سألتها، ماذا تشبه هذه اللَّوحة؟ ابتسمت الطفلة ثم قالت بصوت خافت، انها تشبهني! أجل، تشبه بسمتك، ثمَّ همستُ في سرّي لكن كيف استطاعت هذه اللَّوحة أن تضيء لنا بسمتها وفي حلقها غصّة حارقة؟!

لوحات حنَّا الحائك، ممهورة بالأمل، بالبسمة، بالمحبة، بالوداعة، بالوئام، لكنها تغفو فوق أحزان المدائن واشتعالات أوتار الحنين إلى إنسيابِ الدُّموع الأخيرة، كأنها تبحث عن المآسي المخبّأة في تعاريج ظلال الرُّوح، تنبش أعماق آهاتنا كي تخفِّفَ من جراحنا من خلال وميض الأمل الذي ينثره الفنَّان فوق جبينِ اللَّوحات.

مررتُ بهدوءٍ لذيذ، أشاهد اللَّوحات تباعاً، كلّ لوحة تخلق في نفسي حالة فرحية، تفجِّرُ حنيناً، لوعةً، شوقاً، فكرةً، تنيرُ آفاقاً، تفتحُ شهيَّتي على كتابة القصائد!

تخلَّلت اللَّوحات مواضيع عن السَّلام والتآخي والجنوح نحو الصفاء والفرح والمحبة والتواصل بين البشر، عبر سيمفونية لونية معتَّقة بألوان مسترخية على حافَّات المدن البعيدة، الغافية في ذاكرة الفنَّان..
أغلب لوحات الحائك كانت تجريدية، متداخلة تداخلاً لونياً باهراً، اخضرار متصاعد نحو ليالي غربة الفنان، بحثاً عن تصالحه مع الذات ومع الحياة لخلق حالة توازن بينه وبين الذَّات التَّواقة إلى مرافئ الإبداع، وإلى حالات الانشطار التي حلّت بنا منذ أمدٍ بعيد.

الفنان حنا الحائك، غزير الإنتاج، نادراً ما تجده خارج مرسمه، يعتكف ساعات طوال في مرسمه يدلق ألوانه على خامة بيضاء متعطّشة إلى أحلامه الهائجة مثل غيمة مكتنزة بثلوج قطب الشِّمال، لا يستطيع مفارقة عالمه الفني، أنه جنّته المفتوحة على غابات ستوكهولم، يتوحُّد مع عوالمه ليقدِّم للمشاهد رحيق تجربته وصداقته مع انتعاشاتِ اللَّون.

يتميَّز حنَّا الحائك بألوانه الغنية الدافئة الهائجة المنسابة كخرير مياه دجلة والخابور وقدرته على إبداع أسلوب خاص به، ويبدو واضحاً من خلال مشاهدة لوحاته أنّه خطا خطوات كبيرة في عالم اللَّون وتشكيل اللَّوحة واضعاً في تضاريسها عوالمه المتراقصة مثل سنابل الرَّبيع، فلا يفوته أن يرسم كمن يرقص في حفل ممهور بالأفراح، تذكِّركَ لوحاته بتحليق الطُّيور في بدايات الرَّبيع، وكأنّه في كرنفال فني يحتفي بتزاوج الألوان، وهي تحنُّ إلى بعضها بعضاً، ألوان خارجة من بسمة طفل في صباح باكر، يرسم الحائك كمن يصلِّي في محراب ناسك وهبَ نفسه لتجلِّيات اللَّون وهو يهفو إلى حنين الأرض لبهجة السَّماء!

يكتب الحائك نصوصاً نثريّة تتقاطع مع عوالم الشِّعر، أشبه بخواطر شعريّة وتأمُّلات متدفِّقة من انتعاشات بهجةِ اللَّون، فيترجم ما يطفح من الألوان على نصاعةِ الورق، فتكتمل عنده معادلة عناق الكلمة مع اللَّون كأنّهما وجهان لعشقٍ واحد يصبُّ في أوجِ تألِّقهِ في وهجِ الإبداع!

http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?p=91775#post91775

نقلاً عن موقع إيلاف

صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com

www.sabriyousef.com

موقع الفنان التشكيلي حنا الحائك
www.al-haek.com

صبري يوسف

ذكر
عدد الرسائل : 56
تاريخ التسجيل : 31/10/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.sabriyousef.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى