أدوار متّو في أحضانِ السَّماء ـ 2 ـ

اذهب الى الأسفل

أدوار متّو في أحضانِ السَّماء ـ 2 ـ Empty أدوار متّو في أحضانِ السَّماء ـ 2 ـ

مُساهمة من طرف صبري يوسف في الثلاثاء أبريل 22, 2008 2:17 pm



أدوار متّو في أحضانِ السَّماء



إهداء: إلى روح أدوار داؤود متّو



2



... .. .. ..

تتالت الأعاجيب في هذه الكنيسة، وأكثر ما لفت انتباه جميع أهالي المالكية، من مسلمين ومسيحيين، هو ظاهرة تعطُّل الحفارات ذات الأسنان الحديدية، يطلقون عليها الباغر، وهي آلية تستخدم للحفر والتهديم، تهديم البناء وحفر الأرض الصلبة، حيث كانت الكنيسة تقع في الشارع من الجهة الشرقية، ولهذا تقدَّم بعض الأهالي بشكوى إلى رئيس البلدية آنذاك الأستاذ جرجس بهنان، المعروف بالتهديم والتخريب وتعمير وتحديث المدينة، حيث كان قد سبق له أن نقل بالتنسيق مع بعض وجهاء الأكراد، رفات وأضرحة الكثير منهم من وسط المدينة إلى أطراف المدينة، مؤكِّداً لهم أن وجود المقبرة في قلب المدينة وجه غير حضاري وغير مقبول والخ .. من الأسباب التي كان يقدِّمها للأهالي، وبالفعل نقل الكثير من الأضرحة إلى خارج المدينة، إلى المقبرة الجديدة، وهكذا خطر على بال بعض الأهالي أن يقدِّموا شكوى لرئيس البلدية بضرورة فتح الشارع الذي تقع فيه كنيسة العذراء، حيث الجزء الشرقي من الكنيسة برمّته يقع في الشارع تماماً بما فيه مكان ظهور الميرون المقدس، لكن رئيس المجلس، كان أكثر دهاءاً مما توقعه أصحاب الشكوى وغيرهم، وفعلاً طلبَ من جهات رسمية حكومية ودينية أن يوقعوا على تعهد خطي بأن كل ما يترتب على تهديم الجزء الواقع من الكنيسة في الشارع هو على مسؤولية الموقعين، وعندما حصل على توقيع منهم وبرَّأَ ذمته من نتائج التهديم، أرسل حفارة جاءت خصيصاً من شركة رميلان وبدأت الحفارة بتهديم سور الكنيسة من الجهة الشرقية الجنوبية، رفع السائق أضراس الحفَّارة وضربها بسور الكنيسة تهدَّمت بضعة أحجار، وفي المحاولة الثانية توقَّفَ محرّك الحفارة ولم يعد يعمل، تصور المتابعون أن عطلاً ما قد حصل للحفارة، لكن بعد سحبها لعدة أمتار إلى الخلف، جربوا الحفارة وإذ بها تعمل بشكل جيد، وعندما تقدمت لمتابعة التهديم لم تعد تعمل وتعلَّق ضرسها بسور الكنيسة، سحبوا الحفارة وطلبوا حفارة أخرى ولم تتمكن الحفارة الثانية القيام بمهماتها في التهديم حيث تعطَّلَت هي الأخرى، وتوقَّفَت عن الحركة حالما بدأت بتهديم السُّور، وسحبوا الآلية بعيداً عن السور بضعة أمتار وإذ بها تعمل طبيعية، عندها تيقَّن الجميع وخاصَّة مَن كان ينوي تهديم الكنيسة، أنها مزار مقدس، ولا يمكن لقوى طبيعية أن تهدِّم أي جزء من الكنيسة.



كان رئيس المجلس جالساً في مكتبه يتلقى الأخبار أوَّل بأول، ونظر إلى التعهد الخطِّي الذي وقَّع عليه من أعتبروا أنفسهم مسؤولينَ عن النتائح المترتبة على التهديم، وبدأ يضحك ملء فمه، متيقناً أن هكذا نتائج لا بدَّ أن تقع، وهرعوا إليه قائلين رجاءً أبو حيَّان، قل لنا ماذا نعمل؟! نحن تحت تصرفك! فقال لهم أن تعمِّروا السور كما كان أولاً، فقالوا له بالرَّحب والسعة! وهكذا تمَّ تعمير ما تهدَّم على نفقة من طلب تهديم الجزء الواقع في الشَّارع من الكنيسة ومن حينها حتى الآن لم يتفوَّه أحدٌ على وقوع الكنيسة في الشارع، وقد ظهر الكثير من الأعاجيب في الكنيسة، وظلَّ السَّاعور الرَّاحل الفاضل داؤود متو، خادم الكنيسة إلى وقتِ رحيله، حيث تمَّ تشييد ضريح له في ساحة الكنيسة وأصبح مزاراً للزوَّار، تاركاً أيقونة العذراء والصليب في عهدة ابنه أدوار متّو، وهو الابن الثاني من آل متّو!

استلم أدوار متو إيقونة العذارء مريم وايقونة الصليب من والده المرحوم داؤود متو، وكم من مرة طلب بعض أعضاء المجلي الملّي بضرورة أن تظلا الأيقونتين في الكنيسة، إلا أنَّ آل متو احتفظوا بهما بعد نهاية تقديم واجبات الصلاة في الكنيسة، معتبرين الأيقونتين هدية السماء لهم وهم أولى بهما من غيرهم كائناً من كان هذا الغير، والآن بعد رحيل أدوار متو، مَن سيحمل إيقونة العذراء والصليب؟!



يؤلمني جدّاً أنني غير موجود في جنازةِ المرحوم أدوار متّو، يؤلمني أنني لستُ متاخماً للصديق كريم متو، والصديق يعقوب متو ومتى متّو وكابي متو وآل متُّو في سماءِ الشَّرقِ والغربِ!





اكفهرَّ وجهُ الضُّحى، دمعةٌ اثرَ دمعة، غرقَ البنونُ في مغائرِ الحزنِ، غمائمُ ليلي تنضحُ بالأسى، تهاطلَتْ أحزاننا فوقَ حنينِ البحرِ، كريم متّو صديقُ الغربةِ، صديقُ المراراتِ، صديقُ البوحِ، جرأةٌ متنامية، على شهامةِ الشَّهاماتِ، كرمٌ متعانقٌ معَ اخضرارِ الكرومِ، غربةٌ ساطعة بتهاليلِ الشَّوقِ، شوقٌ إلى البيتِ العتيقِ، إلى مرابعِ الإخوة، إلى إيقاعِ المناجلِ، إلى برارةِ الطِّينِ، كريم متُّو صديقُ الأغاني، يهفو إلى باقاتِ الحنطةِ، كارتماءِ الرَّضيعِ على صدرِ الأمِّ، بئرٌ عميقُ الأحزانِ، عبرَ البحارَ بحثاً عن وسادةِ الخلاصِ، خلاصُ الأسرةِ من أنينِ السّنينِ، يودِّعُ إخوةً من لونِ الودادِ، يقفُ فوقَ مرابعِ الحزنِ، ممتطياً غربةً مفتوحة على عتمةِ اللَّيلِ، وجعٌ يتناثر فوقَ مسقطِ الرأس، رحيلُ شقيقٍ، أنينٌ مضرَّجُ الآهاتِ، رحيلُ صديقٍ، بكاءٌ ملظَّى بالمراراتِ، آهٍ .. يرحلُ الإنسانُ تاركاً خلفه أحزاناً تضاهي خضمَّ البحارِ!



صبري يوسف

كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم

sabriyousef1@hotmail.com


صبري يوسف

ذكر
عدد الرسائل : 56
تاريخ التسجيل : 31/10/2007

http://www.sabriyousef.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى